محمد بن حسن بن اسفنديار
6
تاريخ طبرستان
في كتب الأقاليم والمدن تحت رعاية الدويلات الفارسية والتركية المستقلة بدءا بالصفارية والسامانية وغيرها ، ومن هنا تولدت ظاهرة جديدة هي ازدواجية لغة الكتابة في الأدب التاريخي ومارس أصحاب اللسانين عملهم بأقلامهم في مجال التاريخ . والكتاب الذي بين أيدينا « تاريخ طبرستان » بلا شك حصاد تلك الظاهرة التي نمت في أحضان التجربة الإقليمية الإسلامية حيث إن مؤلفه ابن اسفنديار ( بهاء الدين محمد بن الحسن ) لاحق العديد من المؤرخين المشارقة ، فهو من المؤرخين الذين شاهدوا القرنين الخامس والسادس الهجريين ، وبالتالي فقد تمكن من استيعاب تجارب من سبقوه من الجغرافيين ومؤرخي المدن والأقاليم السابقين الذين غذّوا بفكرهم ومنهجهم تلك التجربة من أمثال المدائني ( ت 215 أو 222 / 830 أو 838 م ) أو ابن طيفور ( ت 280 / 893 م ) في العراق مرورا بالسلّامى ( ق 4 / 10 م ) في خراسان أو النرشخى ( ق 4 / 10 م ) فيما وراء النهر ، ثم السهمي ( ق 5 / 11 م ) في جرجان وغيرهم . فوصلت بالتالي التجربة إلى ابن اسفنديار فاستوعبها وأفاد منها من الناحية الموضوعية والمنهجية . وقد استوقفتنى تجربة ابن اسفنديار في كتاب « تاريخ طبرستان » مقارنة بالتجارب المنهجية مع غيره من مؤرخي المدن والأقاليم كما أن ولاية طبرستان لم تكن كغيرها من الولايات الفارسية بحكم موقعها وبيئتها الجغرافية وأسلوب فتحها الذي استمر بما يشبه فتح العصور أو المراحل التاريخية إذ بدأ الفتح زمن الخلفاء الراشدين ثم استكملت مراحله زمن الأمويين واستمرت المحاولات ما بين مد وجزر إلى أن جاء دور الخلافة العباسية التي أتمت جهود الفاتحين السابقين ، ثم ما ورد في هذا الكتاب عن حركات التمرد والعصيان التي اشتعلت في طبرستان ضد حكومة الخلافة ونوابها ، وما ورد في الكتاب عن أهم الفرق المذهبية في طبرستان مما لزم ابن اسفنديار أن يجمع مادة علمية غزيرة فتضمن كتابه وثائق قلما توفرت في غير كتابه ، وتمكن من الحصول عليها بعد رحلات وجولات في بلدان المشرق الإسلامي . ولا يسعني كمدرس للغة الفارسية وباحث في الدراسات الآسيوية إلا الاعتراف بقيمة هذا العمل وفائدته العلمية آملا أن تتلوه دراسات وترجمات أخرى لكتب التراث الإسلامي . والله من وراء القصد ، د . أحمد محمد نادى